الثلاثاء، 31 مارس، 2015

وسيلة سهلة لتحسين جودة الحياة

كم كتاباً علينا أن نقرأ كل عام؟، تعتمد إجابة هذا السؤال إلى حد كبير على سرعتنا في القراءة، وذوقنا الشخصي، ومقدار الجهد الذي نبذله في القراءة. إلا أنني أقول لا بأس في أن نهدف إلى قراءة كتاب واحد أسبوعياً، أي حوالي خمسين كتاباً كل عام، وعندما يتعلق الأمر بالقراءة فإن النوعية أكثر أهمية من الكمية.

السؤال التالي الذي قد نطرحه على أنفسنا، هو هل يجب أن ننهي كل كتاب بدأنا قراءته؟، النظرة التقليدية هي أن إنهاء الكتاب أمر واجب، أشبه باتجاه فكر الفيلسوف (كانت)، أما في مجال الأدب فيُعدّ ذلك واجباً أكاديمياً.
علاوة على ذلك، فإن المثابرة على قراءة كتاب صعب الفهم يمكن أن تكون أمراً ذا فائدة، فالمعاني التي يذكرها الكاتب ونواياه تصبح واضحة بالنسبة للقارئ بمرور الوقت.
وأعترف أنني بدأت قراءة رواية (يوليسيس) لـ(جيمس جويس) وتركتها ثلاث مرات قبل أن أستجمع العزيمة والوقت اللازمين لإنهائها، وعلي الآن القول أن الجهد الذي بذلته قد آتى الكثير من ثماره بصورة انعكاسات من الكتاب وإشارات إليه، وأفكار ترتبط بالحياة اليومية، إضافة إلى أفكار مثيرة وموضوعات أناقشها مع أصدقائي وزملائي.
إلا أن بعض الأشخاص يرون أن أفضل شيء نفعله بكتاب لا نستمتع به هو التوقف عن قراءته، وكما يذكر الكاتب البريطاني تيم باركس: “إن شوبنهاور الذي كتب وعلّم الكثير حول القراءة، يرى رأي الدكتور جونسون أن الحياة قصيرة جداً للكتب السيئة، وبضعة صفحات سوف تكون كافية تماماً، وهو يطالب بتقييم مسبق لأعمال المؤلف، والذي يمكن بعده التخلي عن الكتاب في حال لم تقتنع به”.
ويواصل باركس القول، “بأننا كبالغين ينبغي أن نكون قد طورنا غريزة معرفة متى يجب أن نتخلى عن كتاب رديء، وعلاوة على ذلك يجب أن نشعر بالتحرر من الالتزام الذي ربما شعرنا به عندما كنا أصغر سناً لإنهاء ما بدأناه. ربما أصبحنا بمرور الوقت، وبصفتنا مستهلكين لكافة مخرجات الثقافة، أكثر تطلباً وإدراكاً لقيمة الوقت، وأكثر عرضة للتخلي عن قراءة الكتاب، أو الخروج من منتصف الفيلم، أو إيقاف الموسيقا عندما نفقد الاهتمام بها”.
ويذهب باركس إلى حد أبعد فيقول: “إنه يجب أن نتوقف عن قراءة الكتاب عندما نستمتع به إلى حدٍ كافٍ”، ويضيف “أن بعض روائع الأدب لم تكتمل على أي حال، وأنه قد يكون من الممتع أكثر تخمين نهايات بديلة لبعض المؤلفات الأدبية الكلاسيكية. ومن تجربتي الخاصة، يجب أن أقول إنني أؤمن أن نهايات بعض أكثر الأعمال التي لقيت الاستحسان بين المصنفات الأدبية هي مخيبة للآمال ويمكن تحسينها بكل تأكيد”.
والسبب الآخر قد يجعلنا نشعر بالتحرر من واجب إنهاء قراءة كل كتاب بدأناه، هو أن الهدف الذي وضعناه لقراءة 52 مجلداً على مدار السنة يصبح أكثر واقعية بكثير.
وهنالك أيضاً تساؤل آخر مختلف تماماً حول التخلي الواعي والمبرر عن الكتاب، هو ما إذا كان فقداننا الاهتمام بالكتاب ينجم ببساطة عن عدم قدرتنا على التركيز. فإننا نعيش في عصر نتعرض فيه للمقاطعة عندما يمضي الكثير من وقتنا على القيام بمهام متعددة في آن واحد: التحقق من البريد الإلكتروني، وإرسال الرسائل النصية، والتعامل مع الضوضاء من حولنا وأنشطة الأشخاص المحيطين بنا.
هنالك بالطبع أشخاص يُحسدون على قدرتهم على قراءة العديد من الكتب في وقت واحد. وبرأيي الشخصي، تعتمد هذه الممارسة على مدى رغبة المرء في التعمق في الكتاب، إضافة إلى مهارتنا في القيام بمهام متعددة في آن واحد التي تتطلب القدرة على تحويل الانتباه من مهمة إلى أخرى دون فقدان التركيز.
لكن الحقيقة البسيطة هي أن القراءة واحدة من الأشياء التي لا يمكن القيام بها بالتزامن مع نشاط آخر: فهي تتطلب تكريس وقت حصري لها إذا أردنا أن نستمتع بها ونعطيها حقها على أكمل وجه. وهذا هو السبب الذي يجعل الكثيرين يقولون أنهم يستمتعون بقراءة الكتب وهم على متن الطائرة، فهي واحدة من الأماكن القليلة التي ننقطع فيها عن العالم ونستطيع أن نستمتع بعزلتنا.
لقد وسّعت التقنيات الرقمية من آفاق القراءة من خلال الكتب الرقمية والكتب الصوتية. وأنا شغوف جداً بالكتب الصوتية، وأستمع إليها عندما أكون مسافراً أو عندما أكون في صالة الرياضة. ويجب تذكير منتقدي الكتب الصوتية -الذين يقولون إنه لا يمكن مقارنتها بالقراءة- بأن القراءة بصوت عالٍ في مجموعات كانت الأمر السائد لقرون عديدة قبل اختراع الطباعة، وحتى لزمن طويل بعدها.
وسواء كنا نقرأ بأنفسنا أو نستمع لقراءة الآخرين، فإن القراءة كما يقول مارك هادون مؤلف كتاب “قضية الكلب الغريبة”، هي في الأصل أحد أعراض الخيال السليم، واهتمامنا بالعوالم الأخرى، وقدرتنا على السكون والهدوء، ومقدرتنا على رؤية الأحلام في وضح النهار.
ختاماً، يمكننا أن نستفيد أكثر من القراءة من خلال توظيف بعض الممارسات الجيدة، منها على سبيل المثال:
  • من الجيد دائماً أن نناقش مع الأصدقاء والعائلة الكتب التي نقرأها أو التي أنهينا قراءتها للتو. فالحديث عن الأثر الذي تتركه الكتب فينا ليس أمراً ممتعاً فحسب، بل إنه يرفع ملكتنا النقدية وقدرتنا على طرح النقاشات.
  • عندما نبدأ قراءة كتاب ما ينبغي أن نضع لأنفسنا إطاراً زمنياً، ويمكن تمديده في حال قررنا القراءة على مهل. فوضع الإطار الزمني يجبرنا أيضاً على التفكير في أن نتخلى عن الكتاب الذي لا نستمتع بقراءته.
  • حاولوا التنويع في الأجناس الأدبية التي تقرؤونها، إذ تحفز القصص الخيال، ويمكن أن تمنحنا بصيرة نافذة وإدراكاً للعالم وسلوكيات الآخرين. فالشعر يحفز إحساسنا الغنائي ويعزز حساسيتنا، والسيرة الشخصية والتاريخ يساعداننا في التعرف على أشخاص عاشوا في أزمنة أخرى، فنرى القواسم المشتركة على مدى القرون ما يساعدنا في فهم العالم المحيط بنا في يومنا هذا.
  • التوصيات التي يقدمها الأصدقاء والزملاء هي موضع ترحيب دائماً، إلا أنه من الجيد ألاّ نسمح للآخرين بممارسة تأثير زائد عن الحد على ما نقرأه، وأن نختار الكتب التي تعكس تفضيلاتنا ومعاييرنا. تحققوا دائماً من قوائم الكتب الأكثر مبيعاً، إضافة إلى قراءة مراجعات الكتب في كبريات الصحف العالمية. وخصصوا أيضاً الوقت لاستعراض محلات بيع الكتب أو المواقع المتخصصة بها. ولا بأس أيضاً من الحكم على الكتاب من خلال غلافه، فإذا بذل أحد ما جهده لوضع تصميم جذابٍ ومغرٍ فربما يكون السبب أن الكتاب بحد ذاته يتمتع ببعض المزايا.
أخيراً، من الجيد دائماً قراءة الكتب الكلاسيكية، إلا أننا يجب أن نولي انتباهنا للمؤلفات المعاصرة، التي قد تساعدنا في فهم العالم المحيط بنا على نحو أفضل، خصوصاً تلك التي وضعها كتّاب من ثقافات أخرى ما يساعدنا على التواصل مع أشخاص من خلفيات مختلفة. يمكن أن يزودنا الانفتاح على هذا النحو ببصيرة حول التنوع، وقد يجعلنا أكثر تسامحاً مع الرؤية العالمية المختلفة عن رؤيتنا. وعندما نفعل ذلك يزداد إدراكنا العالمي وتزداد قدرتنا على العيش كمواطنين عالميين.
الكاتب: رئيس “جامعة إنستوتو دي إمبريسا” سانتياغو اينيغيز.

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق